كلنا نموت
هل رأى أحد منكم يوما جنازة ؟ هل تعرفون رجلا كان
إن مشى رج الأرض ، وإن تكلم ملأ الأسماع ، وإن غضب راع القلوب ، جائت عليه لحظة
فإذا هو جسد بلا روح ، وإذا هو لا يدفع عن نفسه ذبابة ، ولا يمتنع من جرو كلب ؟
هل سمعتم بفتاة كانت فتنة القلب وبهجة النظر ، تفيض
بالجمال والشباب ، وتنثر السحر والفتون ، تبذل الأموال في قبلة من شفتيها المطبقتين
كزر ورد أحمر ، وتراق الكبرياء على ساقيها القائمين كعمودين من المرمر ، جائت عليها
لحظة ، فإذا هي قد آلت إلى النتن والبلى ، ورتع الدود في هذا الجسد الذي كان قبلة
عبادة الجمال ، وأكل ذلك الثغر الذي كانت القبله منه تشترى بكنوز الأموال ؟
هل قرأتم في كتب التاريخ عن جبار كانت ترتجف من
خوفه قلوب الأبطال ، ويرتاع من هيبته فحول الرجال ، لا يجسر أحد على رفع النظر إليه
، أو تأمل بياض عينيه ، قوله إن قال شرع ، وأمره إن أمر قضاء ، صار جسده ترابا تطؤه
الأقدام ، وصار قبره ملعبا لأطفال ، أو مشابه .. (قضاء الحاجات ) ؟!
هل مررتم على هذه الأماكن ، التي فيها النباتات
الصغيرة ، تقوم عليها شواهد من الحجر ، تلك الي يقال لها المقابر ؟
فلماذا لا تصدقون بعد هذا كله ، أن في الدنيا موتا
؟
لماذا تقرؤون المواعظ ، وتسمعون النذر ، فتظنون
أنها لغيركم ؟ وترون الجنائز ، وتمشون فيها ، فتتحدثون حديث الدنيا ، وتفتحون سير
الآمال والأماني ، كأنكم لن تموتو كما مات هؤلاء الذين تمشون في جنائزهم ، وكأن
هؤلاء الأموات ما كانو يوما أحياء مثلكم ، في قلوبهم آمال أكبر من أمالكم ، ومطامع
أبعد من مطامعكم ؟
لماذا يطغى بسلطانه صاحب السلطان ، ويتكبر ويتجبر
يحسب أنها تدوم له ؟ إنها لا تدوم الدنيا لأحد ، ولو دامت لأحد قبله ما وصلت
إليه ؟ ولقد وطئ ظهر الأرض من هو أشد بطشا ، وأقوى قوة ، وأعظم سلطانا ، فما هي ..
حتى واراهم بطنها ، فنسى الناس أسماءهم !
يغتر بغناه الغني ، وبقوته القوي ، وبشبابه الشاب ،
وبصحته الصحيح ، يظن أن ذلك يبقى له .. وهيهات ..
البناء العظيم يأتي عليه يوم يتخرب فيه ، ويرجع
ترابا ، والدوحة الباسقة يأتي عليها يوم تيبس فيه ، وتعود حطبا ، والأسد الكاسر
يأتي عليه يوم تأكل فيه من لحمه الكلاب ، وسيأتي على الدنيا كلها يوم تغدو فيه
الجبال هباء ، وتشقق السماء ، وتنفجر الكواكب ، ويفنى كل شيء إلا وجهه.
يوم ينادي المنادي : ( لمن الملك اليوم ) ؟
فيجيب المجيب : (لله الواحد القهار ).
لقد أمر رسول الله بالإكثار من ذكر الموت.
فاذكروا الموت لتستعينو بذكره على مطامع نفوسكم ،
وقوة قلوبكم ، اذكروه لتكونو أرقا قلبا ، وأكرم يدا ، وأقبل للموعظة ، وأدنا إلى
الإيمان ، اذكروه لتستعدوا له ، فإن لدنيا كفندق نزلت فيه ، انت في كل لحظة مدعو
للسفر ، لا تدري متى تدعى ، فإن كنت مستعدا : حقائبك مغلقة ، وأشياؤك مربوطة
، لبيت وسرت ، وإن كانت ثيابك مفرقة ، وحقائبك مفتوحة ، ذهبت بلا زاد ولا ثياب ،
فاستعدو للموت بالتوبة التي تصفي حسابكم مع الله وأداء الحقوق ، ودفع المظالم
لتصفوا حسابكم مع الناس .
ولا تقل : أنا شاب .
ولا تقل : انا عظيم .
ولا تقل : أنا غني .
فإن عزرائيل إن جاء بمهمته لا يعرف شابا ولا شيخا ،
ولا عظيما ولا حقيرا، ولا غنيا ولا فقيرا.
ولا تدري متى يطرق بابك بمهمته .