مقالات أصدقاء الموقع > كلنا نموت


كلنا نموت

 

هل رأى أحد منكم يوما جنازة ؟ هل تعرفون رجلا كان إن مشى رج الأرض ، وإن تكلم ملأ الأسماع ، وإن غضب راع القلوب ، جائت عليه لحظة فإذا هو جسد بلا روح ، وإذا هو لا يدفع عن نفسه ذبابة ، ولا يمتنع من جرو كلب ؟

هل سمعتم بفتاة كانت فتنة القلب وبهجة النظر ، تفيض بالجمال والشباب ، وتنثر السحر والفتون ، تبذل الأموال في قبلة من شفتيها المطبقتين كزر ورد أحمر ، وتراق الكبرياء على ساقيها القائمين كعمودين من المرمر ، جائت عليها لحظة ، فإذا هي قد آلت إلى النتن والبلى ، ورتع الدود في هذا الجسد الذي كان قبلة عبادة الجمال ، وأكل ذلك الثغر الذي كانت القبله منه تشترى بكنوز الأموال ؟

 

هل قرأتم في كتب التاريخ عن جبار كانت ترتجف من خوفه قلوب الأبطال ، ويرتاع من هيبته فحول الرجال ، لا يجسر أحد على رفع النظر إليه ، أو تأمل بياض عينيه ، قوله إن قال شرع ، وأمره إن أمر قضاء ، صار جسده ترابا تطؤه الأقدام ، وصار قبره ملعبا لأطفال ، أو مشابه .. (قضاء الحاجات ) ؟!

 

هل مررتم على هذه الأماكن ، التي فيها النباتات الصغيرة ، تقوم عليها شواهد من الحجر ، تلك الي يقال لها المقابر ؟

فلماذا لا تصدقون بعد هذا كله ، أن في الدنيا موتا ؟

لماذا تقرؤون المواعظ ، وتسمعون النذر ، فتظنون أنها لغيركم ؟ وترون الجنائز ، وتمشون فيها ، فتتحدثون حديث الدنيا ، وتفتحون سير الآمال والأماني ، كأنكم لن تموتو كما مات هؤلاء الذين تمشون في جنائزهم ، وكأن هؤلاء الأموات ما كانو يوما أحياء مثلكم ، في قلوبهم آمال أكبر من أمالكم ، ومطامع أبعد من مطامعكم ؟

 

لماذا يطغى بسلطانه صاحب السلطان ، ويتكبر ويتجبر يحسب أنها تدوم له ؟  إنها لا تدوم الدنيا لأحد ، ولو دامت لأحد قبله ما وصلت إليه ؟ ولقد وطئ ظهر الأرض من هو أشد بطشا ، وأقوى قوة ، وأعظم سلطانا ، فما هي .. حتى واراهم بطنها ، فنسى الناس أسماءهم !

يغتر بغناه الغني ، وبقوته القوي ، وبشبابه الشاب ، وبصحته الصحيح ، يظن أن ذلك يبقى له .. وهيهات ..

البناء العظيم يأتي عليه يوم يتخرب فيه ، ويرجع ترابا ، والدوحة الباسقة يأتي عليها يوم تيبس فيه ، وتعود حطبا ، والأسد الكاسر يأتي عليه يوم تأكل فيه من لحمه الكلاب ، وسيأتي على الدنيا كلها يوم تغدو فيه الجبال هباء ، وتشقق السماء ، وتنفجر الكواكب ، ويفنى كل شيء إلا وجهه.

يوم ينادي المنادي : ( لمن الملك اليوم ) ؟

فيجيب المجيب  :  (لله الواحد القهار ).

لقد أمر رسول الله بالإكثار من ذكر الموت.

فاذكروا الموت لتستعينو بذكره على مطامع نفوسكم ، وقوة قلوبكم ، اذكروه لتكونو أرقا قلبا ، وأكرم يدا ، وأقبل للموعظة ، وأدنا إلى الإيمان ، اذكروه لتستعدوا له ، فإن لدنيا كفندق نزلت فيه ، انت في كل لحظة مدعو  للسفر ، لا تدري متى تدعى ، فإن كنت مستعدا :  حقائبك مغلقة ، وأشياؤك مربوطة ، لبيت وسرت ، وإن كانت ثيابك مفرقة ، وحقائبك مفتوحة ، ذهبت بلا زاد ولا ثياب ، فاستعدو للموت بالتوبة التي تصفي حسابكم مع الله وأداء الحقوق ، ودفع المظالم لتصفوا حسابكم مع الناس .

ولا تقل : أنا شاب .

ولا تقل : انا عظيم .

ولا تقل : أنا غني .

فإن عزرائيل إن جاء بمهمته لا يعرف شابا ولا شيخا ، ولا عظيما ولا حقيرا، ولا غنيا ولا فقيرا.

ولا تدري متى يطرق بابك بمهمته .


بقلم: الشيخ والأديب علي الطنطاوي
 

 

  تعليقات الزوار: يوجد عدد 1 تعليق(ات)


 الكاتب(ة): جومانة, في : 00:57 , Sunday, November 18, 2007

 التعليق: يالها من مقالة تستحق النشر صدق لسانك يااخي ان الناس في غفلة من امرهم يطنون ان الموت بعيد عنهم جهالة ويدعون العلم اشفقعلى نفسى احيانا حينما اتبع هوى الدنيا ثم اعود واقول مانفع ذللك والكل زائل ولن يبقى احد سوى وجه ربي سبحانه جلى جلاله

 تقييم الموضوع:  

Bahrain,


Page 1 of 1

Go to > 1





جميع الحقوق محفوظة 2007 لموقع Emaratia.net