مقالات أصدقاء الموقع > الاهتمام بالأيتام


الاهتمام بالأيتام:

كنت في أواخر الصيف الماضي غاديا إلى عملي ماشيا ، فمر بي صديق في سيارته الخاصة فدعاني ، فشكرته وسألته أن يدعني أمشي ، فقد علت سني وزاد وزني ، والمشي دواء لي .

قال : امس يوما أخر ، واركب معي نتحدث.

فركبت ، وكانت له حاجة في الصالحية ، فاستأذنني أن يمر فيقضيها ثم يذهب بي إلى القصر (هو" قصر العدل" ، وكان عمل علي الطنطاوي فيه في تلك السنة قاضيا في محكمة التمييز (محكمة النقض) ).

قلت : يارجل ، إذا كانت لك حاجات تريد أن تدور البلد لتقضيها فلماذا تدعو الناس ؟ أتريد أن تتجمل أمام الناس بأن لك سيارة وأنك تمن على الراجلين المساكين من أمثالي فتحملهم معك وتسيرهم في ركابك ؟

فضحك وقال : إنك لن تتأخر عن عملك وستصل إليه بأسرع مما تصل لو مشيت ، فاركب واشكر.

ولما وصلنا إلى السوق المزحجمة هناك إذا هو يقف السيارة وقضة منكرة رجتها رجة حسيت معها أن مفاصلها قد تخلعت ، فقلت : ويحك ! تعلم السواقة قبل أن تشتري السيارة.

قال : أنظر.

فنظرت ، فإذا ولد صغير لا أن عمره يجاوز الأربع ، واقف وسط الطريق ما بينه وبين السيارة إلا شبر ، ولولا انتباه السائق وحذقه لكان تحت دواليبها ، وكان مصفر الوجه ، نحيل الجسد ، دقيق العنق ، بارز البطن ، وسخ الثوب ، يدل على كل شيء فيه على أنه ولد عليل مهمل.

وكان قد اجتمع علينا جماعة من الناس ، يتعجبون من إطلاق هذا الولد وحده ويشكرون السائق جهده. فقلت : أين أهله ؟

فلم يعرفه أحد منهم ، ثم جاء رجل فملا رآه قال : أنا أعرفه .

قلت : أين أهله ؟

قال : فوق، في الجبل ، في رأس هذا الطريق.

فأركبناه معنا وشرينا له كعكة ، وصعدنا بالسيارة في هذا الطريق الضيق حتى وصلنا إلى دار صغيرة كأنها كوخ ، من هذه الدور القائمة بين المقابر ، وكان بابها مفتوحا وفيها امرأة تشتغل وأولاد يلعبون، فلما رأته صرخت : جيت ؟ الله لا كان جاء بك !

ثم رأتنا فوقفت تنظر إلينا متعجبة ، كأنها ترى نوعا من المخلوقات غير مألوف.

قلنا : كيف تتركين هذا الولد على الطريق ؟ أما تخافين أن تدعسه سيارة؟

قالت : إن شاء الله تدعسه وتريحنا منه !

قلت : حرام ! ما عندك شفقه ؟

قالت : ما عندي شفقه؟ لو كان ما عندي شفقه ما كنت ربيته وخدمته.

وكأنها أرادت أن تختم هذا الحوار الذي لم تر له داعيا فصاحت بالولد: ادخل . فدخل خائفا ، فلما رأت معه الكعكعة (وكان يرع في أكلها) صاحب به : أعط إخوتك. ويلي عليك شو ابن حرام!

قلت : إنه جوعان ، وصغير ، دعيها له.

قالت : جوعان ؟ من قال إنه جوعان ؟ إنه يأكل كل يوم رغيفين، فهل أتركه يتسمم بالكعكة وحده وأولادي ينظرون ؟

قلت : وهو؟ أليس ولدك ؟

قالت : ولدي ؟ ها ها ها !

قلت للولد : من هي ؟ أليست أمك ؟

فسكت حائرا ، وهجمت عليه لتأخذ الكعكة فخبأته ورائي ، فشدته من يده وأخذتها منه ، فانطلق - على صغره - يسبها بلسانه الناقص أفظع السباب وأشنعه.

فعجبت وتحققت الخبر ، فإذا هذا الولد يتيم الأبوين ، توفي أبوه وهو رضيع فكفلته أمه ، وهي امرأة فقيرة عليلة ، فجعلت تحدم في بيوت الناس ، تغسل وتنظف وتمسح الأرض لتشتري له ما يملأ معدته ويستر جسده ، وكانت تحرم نفسها وتطعمه وتكسوه، ولبثت على ذلك حتى أضناها العمل ونالت منها العلة فماتت ولم يبق له أحد إلا ابن عم بعيد ، هذه داره وهذه امرأته ، ضمه إليه وألزمها برعايته.

فأعطيناه ما تيسر ووعدناها بالإكرام إن هي أكرمته ، وانصرفنا . وجعل صاحبي يتفقده ويخبرني بأمره ، فعلمت - من بعد - أن هذه المرأة طردته من دارها ، فأخذه شيخ من الحي تجمعه بأبيه قرابة بعيدة جدا فضمه إلى أولاده.

وذهبنا نزور الشيخ فإذا هو رجل صالح فقير ، فعرضت عليه شيءا من المال يستعين به على تربية الصبي ، فأبى وقال : أنا رجل أعظ الناس في المسجد وأمرهم بفعل الخير ، فإذا لم أبدأ بنفسي وأتعظ أنا بقولي لم يكن في خير، وإن شر الناس من يتخذ العلم بضاعة للتصدير، يعلم ولا يعمل ، ويأمر الناس بالبر وينسى نفسه ، فإن جمع إلى ذلك أكل الدنيا بالذين واتخاذ الصلاح والعلم سلما لجمع المال كان من شياطين البشر . والرسول صلى الله عليه وسلم أشار بأصبعيه وقال : " أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا" ، فهل من ثواب أعظم من أن يكون المرء من الرسول في الجنة؟

قلت : ولكن اسمح لي أن أقول لك إنك لست من أهل الغنى ، فلم لا تدعني أشاركك في هذا الثواب؟

قال : أما أني لست من أهل الغنى فصحيح ، ولكن أفقر الناس يجد من هو أفقر منه فيعطيه ، وهذا ولد من أولادي ، يسعه ما يسعهم ، وأما المشاركة في الثواب فلا أريدها. ولو كان معي سهم في شركة رايحة كان رأس ماله مئة فصار ألفا ، هل أقبل أن أبيعك نصفه برأس ماله ونتقاسم الربح ؟ فكيف أعطيك ربحي من هذا السهم الذي تريح المئة فيه سبعين ألفا ؟ لا يا سيدي.

ومرت أياما ؟ وخبرني صديقي أن الشيخ الفاضل مات وأن الولد شرد وساءت حاله ، ولم يعد يعرف له مقرا . فأسفت واسترجعت ، ثم ضربتني الحياة بأمواجها وصرفتني عنه ، فنسيت قصته.

ولقيت صديقي أمس بسيارته فركبت معه ، فقال لي : أتذكر - يأ أستاذ - ذلك الطفل اليتيم الذي كادت تدعسه السيارة ؟

قلت : أذكره ، فما خبره؟

قال : إذا لم تكن مستعجلا فإني أذهب بك إليه ، ترى ما يسرك ويرضيك .

قلت : هلم بنا.

فأخذني إلى شارع خالد بن الوليد ، فوقف بي على طابق من عمارة جديدة فدخلت معه فلم نجد إلا الآذن . فقال له : الأستاذ يريد أن يزور الدار.

قالك : " تفضلو". لم يسأل من هو هذا الاستاذ ولم نخبره نحن ، وبدا لي من هيئته أنه يألف ترداد الزوار على هذه الدار. فدخنلا غرفة إلى اليمين مفروضة فيها مكتب ومقاعد ، ثم أفضينا منها إلى غرفة أخرى فيها مكتبة قد عرض فيها بعض كتب الأطفال المصورة وصفت فيها المقاعد الصغار على نحو ما يكون في المدرسة . ودخنا منها إلى غرفة واسعة ملئت أسرة ، كل سرير منها بسريرين أحدهما فوق الآخر ، كما يكون في القطار. ومنها إلى ساحة مكشوفة وجدنا فيها عددا من الأولاد الصغار ، فدعا واحدا منهم وقال لي : هذا هو.

فنظرت فإذا ولد صحيح الجسم مورد الوجه بلباس نظيف ، وعهدي بالولد الذي كادت تدعسه السيارة هزيلا نحيلا أصفر الوجه وسخ الثوب.

قلت للآذن : ما القصة ؟

قال : وجدنا هذا الولد فجئنا به فغسلناه ، وألبسناه ثيابا نظيفة فلم يكن يصدق أنها صارت له ، وكان يسألنا: هل نتركها له ؟ فنطمئنه إلى أنها صارت ثيابه ، فلا يصدق ويعود فيسأل. ولما وضعناه على المائدة وقدمنا إليه الطعام ، فتح عينيه محملقا ، إذ رأى شيائا ما رأى في عمره مثله ، وراح يأكل بأصابعه كلها لا يشبع، يستعجل يخاف أن نرفع الطعام من أمامه . ولما وضعناه في السرير وقع على الأرض لأنه لم ينم في حياته على سرير . فتعلم الآن كيف يأكل ويشرب وكيف ينام.

وكلمته فوجدته مهذبا ذكيا ، فقلت: وهل هذه مدرسة خاصة أم هي مدرسة رسمية ؟

قال : هذا هو ميتم جمعية الرعاية الاجتماعية ، ولم يمر على افتتاحه إلا شهور معدودة ، وفيه نحو ثلاثين غلاما يتيما.

قلت : ما أرى إلى خمسة أو ستة.

قال: إنهم الآن في المدرسة . إن الجمعية تأخذهم فتداويهم وتكسوهم ودخلهم المدرسة، يذهبون إليها صباحا ويعودون بعد الظهر كما يعودون إلى بيوتهم ، يجدون الطعام مهيأ فيأكلون ويستريحون ويلعبون ، في جو " عائلي" تقوم عليهم مربية تكون معهم دائما.

ونظرت فإذا الأسرة مرتبة أغطيتها نظيفة ، نزلت أرى المطبخ في قبو المنزل فوجدت قائمة الطعام أحسن مما في داري ، ما يحلو بوم من لون ورز وشيء من الحلوى ، وطاولة الطعام في المطبخ نظيفة . ووجدت نملية فيها طعام ، ففتحتها ونظرت فوجدت ما بقي من طعام الأمس : فاصوليا ورزا ، فشممت ريحه فوجدت ريح طعام طيب الطبخ. وكانت زيارتي - كما قلت- مفاجأة لا يدرون بها ، ولم أر إلا الآذن ولم يسألني عن اسمي ، فليس ما رأيت شيئا تكلفوه من أجلي ، بل هو الشيء المعتاد.

ووجدت في شق الطابق الآخر مستوصفا كاملا ، يتردد عليه جماعة من الأطباء ويطبب ويداوي بالمجان . وخبروني أن الجمعية صنعت هذا كله مع أن اشتراكها ليرتان في الشهر، وليس عندها إلا مئة وستون مشتركا. فخرجت وأنا أحس من أعماق قلبي بإكبار هذا العمل وشكر القائمين عليه.

يا أيها السامعون:

إنها إذا أسست شركة أو طرحت أسهم للبيع تتسابقون إلى شرائها أملا بالربح، وهذه أسهم مطروحة ربحها أكيد ، وهي مكفولة كافلها الله . فأقبلو عليها ، فإنكم لا تدرون لعل هذا اليتيم المسكين الضائع في الطرقات يكون له ذكاء وتكون له موهبة، إذا تحن تعدناه كان منه عالم كبير أو أديب عبقري أو تاجر عظيم ، وإن تركناه وقف ذكاءه على الشر وموهبته على الإجرام . وإن في أشقياء المجرمين من لو ربي وعلم لكان من عباقرة الدهر.


بقلم: الشيخ والأديب علي الطنطاوي (رحمه الله)
 

 

  تعليقات الزوار: يوجد عدد 0 تعليق(ات)


لا توجد أية تعليقات.
Page 1 of 0

Go to >





جميع الحقوق محفوظة 2007 لموقع Emaratia.net